سيد محمد طنطاوي

153

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : قم نصف الليل للعبادة لربك ، واجعل النصف الثاني من الليل لراحتك ونومك . . . ووصف - سبحانه - هذا النصف الكائن للراحة بالقلة فقال * ( إِلَّا قَلِيلًا ) * للإشعار بأن النصف الآخر ، العامر بالعبادة والصلاة . . . هو النصف الأكثر ثوابا وقربا من اللَّه - تعالى - بالنسبة للنصف الثاني المتخذ للراحة والنوم . وقوله - سبحانه - : * ( أَوِ انْقُصْ مِنْه قَلِيلًا . أَوْ زِدْ عَلَيْه . . . ) * تخيير له صلى اللَّه عليه وسلم فيما يفعله ، وإظهار لما اشتملت عليه شريعة الإسلام من يسر وسماحة . . . فكأنه - تعالى - يقول له على سبيل التلطف والإرشاد إلى ما يشرح صدره - يا أيها المتلفف بثيابه ، قم الليل للعبادة والصلاة ، إلا وقتا قليلا منه يكون لراحتك ونومك ، وهذا الوقت القليل المتخذ للنوم والراحة قد يكون نصف الليل ، أو قد يكون أقل من النصف بأن يكون في حدود ثلث الليل ، ولك - أيها الرسول الكريم - أن تزيد على ذلك ، بأن تجعل ثلثي الليل للعبادة ، وثلثه للنوم والراحة . . . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد رخص لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم في أن يجعل نصف الليل أو ثلثه ، أو ثلثيه للعبادة والطاعة . وأن يجعل المقدار الباقي من الليل للنوم والراحة . . . وخص - سبحانه - الليل بالقيام ، لأنه وقت سكون الأصوات . . . فتكون العبادة فيه أكثر خشوعا ، وأدعى لصفاء النفس ، وطهارة القلب ، وحسن الصلة باللَّه - عز وجل - . هذا ، وقد استمر وجوب الليل على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم حتى بعد فرض الصلوات الخمس عليه وعلى أمته . تعظيما لشأنه ، ومداومة له على مناجاة ربه ، خصوصا في الثلث الأخير من الليل ، يدل على ذلك قوله - تعالى - : ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِه نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً « 1 » . وقد كان المسلمون يقتدون بالرسول صلى اللَّه عليه وسلم في قيام الليل وقد أثنى - سبحانه - عليهم بسبب ذلك في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمَعاً ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ « 2 » . وقد ذكر الإمام أحمد حديثا طويلا عن سعيد بن هشام ، وفيه أنه سأل السيدة عائشة عن قيامه صلى اللَّه عليه وسلم بالليل ، فقالت له : ألست تقرأ هذه السورة ، يا أيها المزمل . . . ؟ .

--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية 79 . ( 2 ) سورة السجدة الآيتان 16 ، 17 .